تحليل سلسلة القيمة لإنتاج القمح في شمال شرق سوريا

يعد القمح محصولا استراتيجيا في سوريا، واساسا للحفاظ على الأمن الغذائي، ولتوليد الدخل في المناطق الريفية. ورغم هذا فإن سلسلة القيمة كثيرا ما تكون غير فعالة، مع وجود العديد من امكانات وفرص تحسين الانتاج والتوزيع. تحلل هذه الورقة سلسلة توريد القمح في شمال شرق سوريا (مناطق الادارة الذاتية تحديدا) وتقدم توصيات للإصلاح.
المحتوى

مقدمة

يعتبر القمح من المحاصيل الاستيراتيجية الرئيسية في سوريا وذلك لأهميته في تحقيق الأمن الغذائي، وتوفير فرص عمل لسكان الريف، ومساهمته الاساسية في الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الزراعي، إضافة إلى دوره المتزايد في الصادرات الزراعية خلال سنوات الألفية الثانية لغاية عام 2011 حين بلغ الإنتاج السنوي للقمح حوالي 3.85 مليون طن مع وسطي استهلاك محلي 2.5 مليون طن مما أتاح فائض للتصدير يقدر بـ 1.35 مليون طن. شكل القمح الطري حوالي 47% من إجمالي إنتاج عام 2011 ولم تتجاوز نسبة البعل 16%. إلا أن الأزمة السورية أثرت سلباً على عملية إنتاج القمح ودينامياتها، إذ تشير الاحصاءات أن الإنتاج انخفض بشكل حاد ليصل عام 2018 إلى 1.2 مليون طن أي ما يغطي أقل من نصف الطلب المحلي، ويعود هذا الانخفاض إلى العديد من العوامل منها غياب الدعم لزراعة القمح، شح الأمطار، دمار البنية التحتية من شبكات ري ومضخات مياه، صعوبة توفر السماد والبذار والأدوات الزراعية إضافة إلى انخفاض العمالة الزراعية نتيجة الأوضاع الأمنية والهجرة واللجوء والنزوح.
تعتبر محافظتي الحسكة والرقة من أهم مناطق زراعة القمح في سوريا، اذ بلغ إنتاجهما عام 2011 حوالي 1.76 مليون طن أي 45% تقريبا من إجمالي الإنتاج في سوريا لينخفض عام 2018 إلى حدود 0.5 مليون طن بنسبة 42% من الإجمالي وبمعدل انخفاض بلغ 71%. وفي عام 2020 ارتفع الإنتاج في هاتين المحافظتين مع تحسن موسم الأمطار ليصل إلى حوالي 1.1 مليون طن مع ارتفاع إنتاج القمح في إجمالي المناطق السورية إلى 2.7 مليون طن.
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل عملية إنتاج القمح في الحسكة والرقة مع الأخذ بعين الاعتبار التغيرات الجذرية التي طرأت على القطاع الزراعي في هذه المنطقة أثناء الأزمة. ويقوم التحليل على فهم كافة الأنشطة والفاعلين المنخرطين في سلسلة القيمة لإنتاج القمح بما في ذلك مدخلات الإنتاج، والعملية الإنتاجية، وعملية بيع وتوزيع القمح. ويحاول البحث أن يضع بناء على نتائج الدراسة التحليلية مقترحات سياساتية وعملية بما يحقق استقرار العملية الإنتاجية من حيث الكمية والجودة المطلوبة إضافة إلى تثبيت أسعار السلعة المدروسة بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمستهلك ويحقق الربحية للمزارعين وذلك من خلال دعم المنتج النهائي أو دعم المدخلات في العملية الانتاجية.
تقدم الدراسة في قسمها الأول مراجعة سريعة للأدبيات المتعلقة بسلسلة القيمة والتطرق إلى المنهجية والإطار التحليلي للبحث، ويركز القسم الثاني على مدخلات عملية إنتاج القمح بما في ذلك الأراضي الزراعية، والبذار، والسماد، المبيدات والأدوية الزراعية، والمحروقات، والمياه. أما القسم الثالث يحلل العملية الإنتاجية من حيث المشتغلين والدعم الفني والتقني المقدم إضافة إلى الأدوات والتجهيزات الزراعية . ويبحث القسم الرابع في عملية بيع القمح وتوزيعه ويتضمن ذلك فهم الفاعلين وسياسات التسعير والأسعار والتسهيلات المقدمة للمزاعين والوجهة النهائية للقمح وربحية المزارع والشاري. ويقترح القسم الاخير بعض التوصيات بناء على نتائج تحليل الأقسام السابقة ووجهة نظر الخبراء الذين تم مقابلتهم لأغراض هذا البحث.

توصيات سياساتية

تشير نتائج هذه الدراسة التحليلية لكافة الأنشطة والفاعلين في كل مرحلة من مراحل إنتاج القمح إلى وجود معوقات مختلفة تؤثر سلباً على مردودية الإنتاج وبالتالي على استدامته. وقد أشار الأشخاص المفتاحيين بشكل مباشر إلى كثير من هذه المعوقات بما في ذلك ارتفاع أسعار السماد والبذار، وغياب الدعم الفني ولجان الإشراف الزراعي، وعدم وجود قروض مالية للمزارعين لدعم عملية الإنتاج، وبطء في صيانة شبكات المياه، والحاجة إلى معامل لإنتاج السماد محلياً، وعدم توفر صوامع كبيرة نتيجة تضررها من الحرب، وهجرة الخبرات المهنية والعمال الزراعيين، وحضور ضعيف للمنظمات الدولية في مجال دعم إنتاج القمح في المنطقة، وغياب الرقابة والمتابعة لتنفيذ لقرارات الداعمة للمزارعين، والتأخر في دفع مستحقات المزارعين بعد تسليم المحصول.

 

1.    تعتمد هيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتية عند تحديد سعر القمح على مناقشة الدراسات والمقترحات المقدمة من قبل الإدارات الذاتية والمدنية ولجان الاقتصاد والزراعة في مختلف المناطق، إلا أن العديد من المزارعين يعتبر أن عملية التسعير لا تقوم على أسس علمية واضحة وتتأثر بالآراء والمصالح الفردية للمشاركين، ولذلك يرى هؤلاء المزارعون أن على الإدارة أن تتبنى مستوى أعلى من الشفافية والتشاركية في تحديد سعر موحد للقمح إضافة إلى ضرورة الاعتماد أكثر على التقنيين والخبراء في هذا المجال. وفي إطار الفاعلين في حوكمة زراعة القمح، فإن الإدارة الذاتية تعتمد على القطاع الخاص بشكل واسع في تأمين مدخلات هذه الزراعة، إلا أن ذلك لا يترافق مع آليات رقابة أو تدخل فعالة تضبط الأسعار في السوق. أما بالنسبة للمنظمات الدولية، فإنها لا تقدم أي دعم فعال للإدارة الذاتية في عملية إنتاج القمح لأن أغلب هذه المنظمات لا تتعامل إلا مع الحكومات الرسمية أو منظمات غير حكومية مرخصة، ويمكن تجاوز هذا العائق أمام التعاون المباشر من خلال دعم وتسهيل الإدارة الذاتية لتأسيس وتفعيل مؤسسات مدنية غير حكومية مهتمة بالموضوع الزراعي في شمال شرق سوريا وتعزيز التعاون بين هذه المؤسسات والمنظمات الدولية وبالتالي فتح قنوات التعاون غير المباشر بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية.

2.    إن اعتماد جزء كبير من أبناء المنطقة المدروسة على زراعة القمح كمصدر رئيسي للدخل إضافة إلى استراتيجية هذا المحصول ومساهمته بشكل كبير في توفير الأمن الغذائي، يجعل من الضروري العمل على تجاوز الاختناقات التي ذكرها الأشخاص المفتاحيين وتوصل إليها هذا البحث في كافة أنشطة سلسلة القيمة لمحصول القمح بما يحقق مصلحة المزارع واستدامة الإنتاج بكفاية ونوعية تنافسية، ويمكن تلخيص الإجراءات السياساتية والعملية التي يمكن تبنيها من قبل السلطات المحلية بالنقاط التالية:

3.    تطوير وإصلاح النظام الضريبي المتعلق بريع الأراضي الزراعية بما يحقق عدالة أكبر للمزارعين الذين يعملون بأرض يملكها غيرهم كـ “وضع اليد”، فمثلاً يمكن استمرار الاتفاق بين المزارعين وملاك الأراضي كما هو على أن تفرض ضريبة محددة ومدروسة على حصة المُلاك من القمح تستخدم لتقديم الدعم الفني والمالي لمزارعي القمح الذين لا يملكون ما يمكن اعتباره ميزة تنافسية في وسائل الإنتاج مثل أراض زراعية واسعة وذات إنتاجية مرتفعة.

4.    التعاون مع الجهات الدولية ومراكز البحوث العالمية من أجل إنتاج وإكثار بذار محسنة لتغطية حاجة المزارعين وتقديم هذه البذار بالسعر المدعوم خاصة لصغار المزارعين، وبالتوازي يجب التعاون مع القطاع الخاص لبيعهم جزء من البذار المحسنة بسعر التكلفة والاتفاق معهم على بيع المزارعين بهامش ربح محدد مما يضبط عشوائية السوق ويساعد على استدامة الدعم.

5.    العمل على تخفيف عبء أسعار السماد والأدوية الزراعية من خلال التعاون بين المنظمات غير الحكومية في المنطقة والمؤسسات الدولية لتقديم التدريب المناسب لكوادر الإدارة والمجتمع المدني مما يؤهلهم لمساعدة المزارعين في معرفة كمية ونوعية السماد والأدوية اللازمة لزيادة الإنتاجية وتحديد المطلوب استيراده من الخارج وبالتالي تقدير إجمالي التكلفة، ويمكن التعاون مع القطاع الخاص على استيراد المطلوب على أن يترافق ذلك مع تشديد الرقابة السعرية على السوق المحلي. وبالنسبة للسماد يجب على المدى الطويل تخصيص الدعم والموارد لإنتاجه محلياً مما يساهم بتخفيض تكاليف الإنتاج والحد من الاعتماد على المستوردات.

6.    دراسة تعديل سعر المحروقات المدعوم للمزارعين للوصول إلى سعر مستدام يغطي كامل حاجة المزارعين مما يساهم أيضاً بتخفيض سعر المحروقات في السوق نتيجة انخفاض الطلب عليها. ومن ناحية المياه، على الإدارة أن تلعب دور أكبر في تأمين استمرار عمل مضخات المياه لدى المزارعين إذ يمكن أن تعيد تفعيل قروص إصلاح المضخات كما يجب التعاون مع الجهات الدولية لإصلاح شبكات المياه وتطوير أقنية ري حديثة مما يزيد من إنتاجية الإرض.

7.    تسهيل التعاون بين المنظمات غير الحكومية المحلية والمؤسسات الدولية لتقديم دورات تأهيل فني وتقني للعمال الزراعيين والمنخرطين في العمل الزراعي. إضافة إلى عقد اتفاقات مع القطاع الخاص من أجل تأمين التجهيزات الزراعية وتأجيرها للمزارعين بهامش ربح مقبول، ويترافق ذلك مع فرض رقابة فعالة على تكاليف العمال والتجهيزات الزراعية للالتزام بأسعار محددة.

8.    ومن ناحية بيع القمح وتسويقه يمكن لأجهزة الإدارة وبالتعاون مع الخبرات المحلية والدولية أن تعمل على تخفيض تكاليف نقل محصول القمح إلى مراكز التسليم بشكل فعال وتقديم تسهيلات أكثر في هذا المجال خاصة لصغار المزارعين، كما عليها السعي لتنظيم عملية تسليم  المحصول وبالتالي تخفيض فترة الانتظار وذلك من خلال تعزيز الإمكانات الإدارية والبشرية المتوفرة، إضافة إلى تخفيف الإجراءات وإزالة العقبات التي تحول دون تسليم المستحقات المالية للمزارعين مباشرة.

 

خاتمة

إن المقترحات أعلاه تتطلب بيئة مؤسساتية تتسم بالشفافية وسيادة القانون وتحتاج إلى وجود أدوات رقابة ومتابعة فعالة كما تتطلب مشاركة كافة الفاعلين في عملية التخطيط والتنفيذ بما في ذلك القطاع الخاص والمزارعين والجمعيات الزراعية. إن البيئة المؤسساتية المناسبة تحفز الجهات الدولية على تقديم الدعم الفني والمالي اللازم كما تشجع مراكز البحوث العالمية على تقديم ما يلزم من مساعدة لزيادة إنتاجية أراض القمح وبالتالي مردوديتها على كافة الفاعلين وخاصة المزارعين. وتجدر الإشارة أن هناك إمكانية واسعة لزيادة الإنتاج إذ تشير البيانات الثانوية ومعلومات الأشخاص المفتاحيين أن وسطي إنتاج هكتار السقي في المنطقة المدروسة يبلغ حوالي 3 طن من القمح بينما يبلغ الوسطي في عدد من الدول المنتجة للقمح حوالي 4.5 طن[1] أي بزيادة قدرها 50% الأمر الذي يمكن أن يتيح زيادة الأرباح، ودعم مخزون القمح الاستراتيجي في المنطقة إضافة إلى إمكانية تصدير الفائض بالعملة الصعبة من خلال التعاون مع القطاع الخاص المحلي.

 

انتقل إلى أعلى