ديناميات الجندر في المجتمع المدني السوري

ما الذي يحد من مشاركة المرأة في المجتمع المدني السوري؟ في يوم المرأة العالمي، ننظر عبر هذا البحث إلى واقع المرأة في مشهد المجتمع المدني، بغرض تحديد مجالات التطوير.
المحتوى

Contributors: Dr. Nour Abu-Assab, Dr. Nof Nasser-Eddin

ملخص تنفيذي

لا يزال يعتبر المجتمع المدني السوري رغم مرور ثمان سنوات على اندلاع الأزمة، ناشئًا نسبيًا إذا ما تمّت مقارنته بجهات المجتمع المدني الفاعلة في دول الجوار. في حين أنّ صوت المرأة في مجال المجتمع المدني وضمن ميدان السياسة لا يزال غائبًا كلّيًا (سليمان 2018) على الرغم من أن العديد من المنظمات الدولية والدول المانحة تحاول بشكل مستمر التركيز على أهمية إشراك النساء في عملية تنظيم المجتمع المدني. ومع ذلك، فإنّ غياب تلك الأصوات لا يعني بالضرورة أن النساء السّوريات لسن منخرطات في نشاطات المجتمع المدني أو السياسة أو حتّى على المستوى الشعبي.

تنبع أهمية هذا البحث ،فوق كل شيء، من أهمية ضرورة إشراك الأصوات النسائية ضمن المجتمع المدني، إذ أنّ تغييب أصواتهن يقود إلى تجاهل حاجاتهن، وآرائهنّ ووجهات نظرهنّ. إضافة إلى ذلك، فإنّه ،وخاصّة ضمن الأبحاث القطعية السائدة،  غالبًا ما يتم تناسي أهمية إشراك النساء ضمن المجتمع المدني وأهمية وجود مجتمع مدني يلبّي حاجاتهن. هذا وقد وكشفت أبحاثنا أن غياب صوت المرأة وتجاربها يرجع إلى عدد من العوامل الخارجية والداخلية. قامت منظمة إمباكت IMPACT وبالتعاون مع مركز التنمية والتعاون عبر الاوطان CTDC  بإجراء مراجعة شاملة للأدبيات وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي  من خلال جمع بيانات أولية من كل من سوريا ولبنان والأردن و تركيا و ذلك ضمن مجموعات التركيز التي تم عقدها والمقابلات التي أجريت واعتماد أداة تقييم الحساسية الجندرية  والإثنوغرافية بهدف تحديد العوامل التي من شأنها تقييد دور المرأة ضمن المجتمع المدني السوري. هدف البحث إضافة إلى ذلك إلى فهم الوضع الحالي للمرأة السورية ضمن المجتمع المدني. 

يهدف هذا البحث إلى تقديم نظرة شاملة  حول وضع النساء في المجتمع المدني السوري من خلال تحديد العوامل الأساسية التي تعيق انخراطهن في المجتمع المدني. سلّطت التحليلات الضوء على المشكلات التالية:

 

العوامل الداخلية 

افتقار الوعي الجندري:
هناك افتقار عام  للوعي ضمن منظمات المجتمع المدني فيما يتعلق بتحديد ما يعنيه الجندر/النوع وكيفية دفع هذه المنظمات إلى أن تكون اكثر حساسية تجاه هذه المسألة. ويبدو غياب الوعي ذاك جليًا من خلال السياسات التنظيمية لتلك المؤسسات والتي عادةً ما تكون قاصرة عن التطرّق إلى العنف والتنمّر والمضايقات ضمن مكان العمل.

غياب السياسات والضوابط الداخلية: 
تظهر الأبحاث أنّ عدم وجود سياسات وضوابط داخلية يرتبط بشكل وثيق بالوضع الأمني الذي تتمتع به مناطق عمل منظمات المجتمع المدني. حيث تبيّن أنّه من المرجّح أكثر أن يكون لدى المنظمات التي تعمل في مناطق مستقرة أمنيًا سياسات وضوابط معتمدة. في حين انّ المنظمات التي تعمل ضمن مناطق تفتقر للأمان تكون أكثر استجابة وليونة فيما يتعلق بمقاربتها للسياسات إذ أنّها تتماهى غالبًا مع الاحتياجات المتبدلة ضمن مناطق عملها. 

افتقار منظمات المجتمع المدني للخبرة: 
إلى جانب الوضع الامني، غالبًا ما تَحولْ أولويات الجهات المانحة دون إجراء تطويرات تنظيمية داخلية. إذ أنّ تركيز المانحين على تمويل نشاطات قصيرة الأمد يحدّ من قدرة منظمات المجتمع المدني على التطور بشكل عضوي. ويمكن لهذه السياسات أن تنعكس على عملية إشراك المرأة في العمل حيث تصبح منظمات المجتمع المدني غير قادرة على تطوير ظروفها الداخلية الأمر الذي من شأنه أن يزيد من انخراط النساء ضمن تلك المنظمات. 

غياب المساواة المالية والاقتصادية: 

 تُظهر البيانات أن الإدارة المالية تؤثر على قدرة النساء على تحصيل فرص عمل و تساوم على احتياجاتهن. لا يرتبط غياب المساواة المالية والاقتصادية التي تعاني منها النساء بمسائل الفجورة في الأجور بين الجنسين، بل يتجلّى في عدم المساواة المتعلقة (1)بقدرة النساء الحصول على العمل و(2)تقلّد مناصب ضمن منظمات المجتمع المدني (3)إضافة إلى عدم وجود شروط تستوعب حاجات المرأة بما في ذلك إجازة الأمومة ومرافق رعاية الأطفال.

إعادة صياغة الهيكلية التنظيمية الجندرية:
وفق هذا البحث، تبين أن منظمّات المجتمع المدني تطبّق تسلسل وظيفي حسب الجندر في مكان العمل. تعمل هذه الهياكل الوظيفية وفق مستويات مختلفة تتضمن: (1) عملية صنع القرار، (2) المناصب والرتب و (3) العدد والتمثيل. غالبًا ما يتم استثناء النساء من مناصب صنع القرار إلّا في حال كانت تلك المناصب ضمن منظمات تختص بموضوع الجندر فقط. يضاف إلى ذلك أنّه غالبًا ما يتم منح المناصب الإدارية للرجال في معظم المنظمات، أمّا في المنظمات التي يترأس إدارتها الرجال تجد النساء أنفسهن مستثنيات كليًا من النقاشات المتعلقة بصناعة القرار. 

العوامل الخارجية

قيود التمويل:
هناك اعتقاد خاطئ يسود بخصوص عملية التمويل مفاده أنّ جزء كبير من التمويل يذهب إلى صالح المنظمات التي تُعنى بشؤون المرأة و العنف ضدّها. أظهرت الأبحاث في الحقيقة أنّ نسبة 0,5% من التمويل الّدولي قد تمّ توجيهها نحو مشاريع تستهدف النساء. إضافة إلى ذلك، فإنّ معظم العاملين/ات في مجال الجندر وشؤون المرأة هم من المتطوعين/ات. إنّ القيود التمويلية تنعكس وبدرجة كبيرة أيضًا على قدرة المنظمات استيعاب حاجات المرأة حيث أنها تعتمد وبشكل أساسي على المشاريع القائمة على النشاطات. 

غياب تدخلات ملائمة للسياق:
تُظهر البيانات أيضًا أنّ العديد من المانحين يحاولون منذ سنوات توجيه مشاريعهم لكي تشمل الجنسين. فبدلًا من تمويل منظمات تقودها النسا، عمل المانحون بشكل ممنهج على إضافة عامل الجندر إلى مشاريعهم التي يتم تنفيذها من قبل منظمات يرأسها الرجال. يعكس هذا الأمر وجود لا مساواة كبيرة في توزيع المخصّصات المرتبطة بحاجات المرأة في مكان العمل.

الوضع الأمني:
أمّا الحالة الأمنية فتبيّن أنها متغير مهم في تحديد مستوى الحساسية تجاه  الجندر في منظمات المجتمع المدني السورية. إذ بات من الواضح ،وفقًا للأبحاث، أن نشاطات منظمات المجتمع المدني تعتمد إلى حد كبير على أماكن تواجدها وسياقاتها. فعلى سبيل المثال فرض وجود قيود قانونية في بعض البلدان، قيودًا على أنشطة منظمات المجتمع المدني وبالتالي دفع ذلك  بعض  تلك المنظمات على الأرجح للقيام بتبنّي سياسات تراعي الحساسية الجندرية أكثر من غيرها ، أو قدرتها العمل بمرونة أكبر للتكيّف مع السياق المحلي.

السياق الاجتماعي:
أظهرت البيانات أنّ للسياق الاجتماعي في البلدان المجاورة وفي مناطق مختلفة من سوريا الأثر الكبير على انخراط النساء في منظمات المجتمع المدني. فهناك عدد من القيم الاجتماعية التي تعيق دخول المرأة في تلك المنظمات لكنها تتباين وفقًا للسياسات المختلفة.

 
انتقل إلى أعلى